الطب عند الرومان



Rating  0
Views   1867
رشا عامر
04/09/2012 08:11:03

أخذ الرومان علم الطب عن اليونان ولكنهم أحسنوا صياغته وتنظيمه وتطبيقه في الصحة العامة والخاصة، فقد كانت روما تحيط بها مستنقعات وسخة من جميع جهاتها تقريبا، وكانت معرَّضة للفيضانات الوبائية، وقد ذكر المؤرخون أنّ الملاريا كانت منتشرة في روما، وأنّ بعوضة الأنوفيل كانت مستقرة في مستنقعات بُنتين، وكانت بسبب ذلك بحاجة إلى أشد العناية بالصحة العامة، وانتشر داء النقرس بانتشار الترف، وتدل بعض الفقرات في كتابات المؤرخين الرومان على ظهور الزهري في القرن الأول بعد الميلاد، واجتاحت الأوبئة الفتَّاكة إيطاليا الوسطى في عام (23ق.م) وفي أعوام (65، 79، 166) بعد الميلاد.

وكان الناس منذ أقدم الأزمنة يحاولون التغلب على المرض والطاعون بالسحر والصلوات، وحتى عند الرومان كان الناس يطلبون من الأطباء أن يداووا عماهم بالبصاق وعرجهم بمس القدم، وكانوا يحملون مرضاهم وقرابينهم إلى هيكل إيسكوبيوس وهيكل مينيرفا، وكان الكثيرون منهم يتركون فيهما الهدايا شكرا على نعمة الشفاء، فلما حلَّ القرن الأول قبل الميلاد أخذت عنايتهم بالطب الدنيوي تزداد شيئا فشيئا، ولم تكن الدولة في ذلك الوقت قد وضعت نظاما لممارسة مهنة الطب، فكان الحذاؤون والحلاقون والنجارون يمارسونها مع مهنهم الأصلية إذا شاءوا، ويستعينون بالسحر ويخلطون عقاقيرهم بأنفسهم ويبيعونها للناس، ولم تخل تلك الأيام من التقريع والشكاوى المألوفة والتنديد بعجز الأطباء.

وفي عهد فسبازيان فتحت مستمَعات Auditoria لتعليم الطب يتولى التعليم فيها أساتذة تعترف بهم الدولة وتؤدي إليهم راتبهم، وكانت اللغة اليونانية لغة التعليم في هذه المعاهد وهي اللغة التي تكتب بها وصفات الدواء حيث كانت اللغة التي يفهمها أصحاب اللغات المختلفة كما اللغة الإنكليزية الآن، وكان يُطلق على خريجي هذه المعاهد اسم أطباء الجمهورية، وكانوا هم وحدهم الذين يستطيعون ممارسة صناعة الطب بصفة قانونية في عهد فسبازيان، ونصَّ قانون أكويليا Aquilia على أن تشرف الدولة على الأطباء كما نصَّ فيه على وجوب تحملهم تبعة إهمالهم، وكان قانون كورنيليا Cornelia يفرض أشد العقوبات على من يتسببون في موت المرضى بسبب إهمالهم أو خطئهم الناشئ من جهلهم بأعمالهم، ومع هذا فإنّ الدجالين ظلوا يمارسون دجلهم ، ولكن عدد الأطباء المتعلمين ظل يزداد شيئا فشيئا.

وقد وصل الطب العسكري في عام (100م) إلى أرقى ما وصل إليه في الزمن القديم، فكان في كل فيلق أربعة وعشرون جراحا، كما كانت له هيئة للإسعاف الأولي ونقالات ميدانية منظمة أحسن تنظيم، وكان بالقرب من كل معسكر هام مستشفى عسكري، وافتتح الأطباء مستشفيات خاصة كانت هي التي تطورت منها المستشفيات العامة في العصور الوسطى، وكانت الدولة تعيِّن الأطباء لمعالجة الفقراء مجانا وتؤدي لهم أجورهم، أما الأغنياء فكان لهم أطباؤهم الخصوصيون، وكان رؤساء الأطباء يعتنون بالإمبراطور وأسرته وخدمه وأعوانه ويُعطون على ذلك أجور طيبة، وكانت بعض الأسر تتعاقد أحيانا مع بعض الأطباء على أن يعتنوا بصحتها ويداوونها من أمراضها مدة معيَّنة.

وبلغت مهنة الطب في ذلك الوقت درجة عظيمة من التخصص، فكان في البلاد اختصاصيون في المجاري البولية، وفي أمراض النساء، وفيها أطباء مولدون وأطباء عيون، واختصاصيون في أمراض الأذن، وأطباء بيطريون، وأطباء أسنان، وكان في وسع الرومان أن تكون لهم أسنان صناعية من ذهب، وأسنان مرتبطة بأسلاك، وأسنان ذات قشرة ذهبية، وكان لديهم عدد كبير من الطبيبات، وقد كتبت الكثيرات منهن كتبا في الإجهاض كانت واسعة الانتشار في سيدات الطبقات الراقية وبين العاهرات، وكان الجراحون يتخصصون في فروع الجراحة المختلفة وقلما كان يوجد جراح غير متخصص في فرع خاص، وكان عصير اليبروح (نوع من النباتات الباذنجانية في العالم القديم) والأتروبين يستعملان في التخدير، وقد وُجدت في بعض الخرائب أكثر من مائتي أداة جراحية مختلفة، وكان تشريح جثث الآدميين عملا غير مشروع ولكنهم كانوا يستعيضون عن ذلك بالفحص عن أجسام المجالدين والمصارعين والمحتضرين، وكان العلاج بمياه العيون واسع الانتشار، وكانت العيون الحارة الكبرى معاهد للعلاج والاستشفاء، وكذلك الحمامات الباردة، وكان المصابون بالسل يُرسلون إلى مصر وشمالي أفريقية، وكان الكبريت يستخدم لعلاج الأمراض الجلدية ولتبخير الحجرات بعد انتشار الأمراض المعدية، وكانت العقاقير آخر ما يلجأ إليه الناس من وسائل العلاج ولكنهم كانوا يلجؤون إليها في كثير من الحالات، وكان الأطباء يصنعونها بأنفسهم بطرق يحتفظون بسريتها ولا يُطلعون الجماهير عليها ويبيعونها بأغلى الأثمان التي يطيقها المرضى، وكانت العقاقير الكريهة ذات منزلة كبيرة، فكانت فضلات السحلية تستخدم كمسهلات، وكانت أحشاء الآدميين توصف أحيانا، وقد وصف أنطونيوس براز الكلاب لعلاج مرض الذبحة، واستخدم جالينوس براز الغلمان لعلاج أورام الحلق، وفي مقابل هذه الأدوية الكريهة عرض أحد الدجالين المرحين أن يداوي بالخمر كل داء تقريبا.

وليس بين الكتاب المعروفين في علم الطب في ذلك العهد كاتب من أصل روماني إلا واحد فقط، وحتى هذا الكاتب لم يكن طبيبا، لقد كان أورليوس كورنيلوس سلسس Aurelius Cornelius celsus من أبناء الأشراف، وجمع حوالي (50م) في دائرة معارف كل ما درسه عن الزراعة والحرب والخطابة والقانون والفلسفة والطب، وقد ضاع كل ما كتبه ماعدا القسم الخاص بالطب، ويعد كتابه في هذا العلم أعظم مؤلف وصل إلينا من القرون الستة المحصورة بين أبوقراط وجالينوس، ويمتاز فوق هذا بأنه كُتب بلغة لاتينية فصحى نقية لُقِّب سلسس من أجلها بشيشرون لطب، ولقد ظلت الأسماء اللاتينية التي ترجم بها المصطلحات الطبية اليونانية تسيطر على علم الطب من ذلك الوقت إلى أيامنا هذه، ويدل الكتاب السادس من كتبه على علم بالأمراض السارية علما واسعا غزيرا في ذلك العصر، ويصف الكتاب السابع بجلاء ووضوح بعض الجراحات ويحتوي أقدم وصف معروف للأربطة، ويصف عملية قطع اللوزات، واستخراج حصاة المثانة بقطع الجنب، وجراحة الترقيع، وعمليات إظلام عدسة العين (الكاتاركتا)، وهذا الكتاب في مجموعه هو خير ما ألف في الآداب العلمية الرومانية، ومما يؤسف له أنّ العلماء أجمعوا على أنّ كتاب سلسس ليس في أكثر أجزائه إلا جمعا أو شرحا للنصوص اليونانية القديمة، وقد فُقد هذا الكتاب في العصور الوسطى ثم عُثر عليه مرة أخرى في القرن الخامس عشر، وأعيد طبعه قبل أن يُطبع كتاب أبوقراط أو جالينوس، وكان له شأن أيما شأن في إحياء علم الطب في العصر الحديث.


وصف الــ Tags لهذا الموضوع   ذكر المؤرخون أنّ الملاريا كانت منتشرة في رومايحاولون التغلب على المرض والطاعون بالسحر والصلوات