الوحدة الاسلامية ضرورة حتمية



Rating  0
Views   1726
نسرين حمزة عباس السلطاني
01/05/2014 18:28:20

((الوحدة الاسلامية ضرورة حتمية )) م.م نسرين حمزة السلطاني م. وفاء عبد الرزاق كلية التربية الاساسية كلية التربية الاساسية خلق الإنسان مجبولاً على العيش مع الجماعة بعيداً عن الفردية والانعزال لما تقتضيه الطبيعة البشرية من العيش الجماعي المترابط الذي يكمل فيه أحدهما الآخر وبمرور الزمن وتكاثر الإنسان وتنوع المصالح أصبحت الحاجة ملحة إلى مفهوم جديد وهو الوحدة كي لا يكون المنعزل فريسة لغيره من الأمم والشعوب المتحدة التي تبني نفسها وتاريخها وتراثها على حساب غيرها من الأمم والأمة الإسلامية من بين هذه الأمم التي شعرت بهذه الحاجة الملحة رغم انه من صميم دستورها هو الوحدة لذلك ظهرت دعوات الوحدة الإسلامية واقامة التكتلات في العالم العربي والإسلامي وليست هذه الدعوات وليدة الساعة بل هي قديمة قدم التمزق والتشتت والتناحر والفرقة التي عشناها ولا زلنا نعاني منها . الوحدة الإسلامية ينبغي أن تبنى على مشروع نهضوي رسالي يقوم على تحليل الواقع العالمي ومعرفة طبيعة الصراعات والنزاعات فيه وتحديد النقطة التي وصلت لها البشرية في الشرق والغرب تمهيداً لإيجاد البديل الأعدل والأنفع والأرحم للناس جميعاً. ونعتقد أن وضع العالم اليوم يشير إلى انه وصل إلى نقطة صار فيها التغيير حتمياً ونعتقد أن الإسلام هو المؤهل لأداء هذا الدور الرئيسي في التغيير ونجزم بأنه الحل. مفهوم الوحدة الاسلامية يشكل الإتحاد والانسجام حصنا منيعا لا يمكن لأي عدو مهما بلغت قوته أن يخترقه ويخرب على المسلمين هذه النعمة التي تنبع من صميم دينهم حيث أكدت عليها النصوص الكثيرة الواردة عن نبي الرحمة محمد(ص) وهي بمتناول الأمة الإسلامية، وتشكل الوحدة الوصفة الفريدة لصلاح المجتمع وسعادة الشعوب وقوة عظيمة الأمة في وجه كل الأعداء والطامعين بخيراتها واستغلالها، وكل الجراحات التي نتكبدها الآن وسابقا والتي أرهقت مجتمعنا ومزقته وجعلته هشا طريا أمام العدو يتحكم فيه كيفما يشاء كل هذه الأمور كانت نتيجة تخلي المسلمين عن الوحدة وعن الكلمة الواحدة وكل الآلام التي تعصف بشعوبنا الأبية من فلسطين الى العراق وأفغانستان الى غير ذلك من شعوب كثيرة ذاقت مرّ الهوان وطعم الاستبداد كل هذه الأمور نتجت عن تخلي المسلمين عن الوحدة واللجوء الى التناحر والتقاتل والمعاداة والإصغاء الى الفتن الطائفية والى النزعات القومية والاختلاف حسب الحدود الجغرافية مما أدى الى التشرذم والضعف والوهن أمام منعة العدو واتحاده، أن الإسلام يشكل منطلقا لرقي الإنسان نحو عالم الكمال في هذا العالم وفي غيره حيث يعتمد على أهداف ثلاثة متجسدة بالعلم والأخلاق والعدالة، وقد شكلت هذه الأهداف خلاصة مسيرة الأنبياء والرسل المتمثلة ببعثة نبي الإسلام(ص) الذي عمل على تكريس هذه المبادئ وتعميق مفهومها في أذهان الشعوب، ولا يخفى أن أي مجتمع يتمسك بهذه المبادئ الثلاثة سيوفق للسير على طريق النجاح والنجاة مع العلم بأن هذه الأهداف تدعوا الى الوحدة والانسجام وتجعله هدفا رئيسيا للعمل الناجح فلا يمكن للمجتمع أن يرقى الى سبل النجاح وهو يعيش حالة الفرقة والخلاف والتفريق التي تولد الوهن والضعف، واثارة النعرات الطائفية والفتن المذهبية للوصول الى مناصب دنيوية رخيصة الا بالصحوة الإسلامية الصاعدة في هذه الأيام والتوجه الحقيقي نحو الوحدة والألفة عند جميع أفراد الأمة مما يبعث على الأمل القريب الى الواقع من جديد ويطمئن على المستقبل المزدهر للأمة الإسلامية(1). عوامل التشتت والافتراق :- إن من أهم مشاكل الوحدة الإسلامية حسب ما بينه القادة والمفكرون الإسلاميون أو ما هو واضح للمهتمين بها يتمثل في ثلاث عقبات رئيسية وأخرى فرعية. هي: أولا النعرات القومية ثانياـ النعرات الطائفية ثالثاـ الحكومات المهزومة أو تُوضّح على أساس الجوانب الحياتية كما في 1ـ الجانب العاطفي والنفسي 2ـ الجانب الفكري 3ـ الجانب السياسي. أولاـ النعرات القومية ـ التعصب القومي والعنصري ظاهرة تسود كل المجتمعات الجاهلية فالمجتمع الجاهلي ينتقد القيم الإنسانية ويفتقد التربية الإنسانية ولذلك يعيش أفراده في مستوى منحط من التصورات والأفكار والقيم وتصبح مظاهر اللغة أو اللون أو النسب هي معايير التمييز والتفضيل بين أبناء البشر وتهبط قيمة كل المعايير الإنسانية الصحيحة فالرسالة الإسلامية (الإلهية) تستهدف فيما تستهدف طرح معايير وتصورات إنسانية في المجتمع كي يتجاوز الكائن البشري الأُطر الضيقة التي تؤطر فكر الإنسان الجاهلي مثل المرعى والقطيع. فالإسلام واجه في الجزيرة العربية كما ذكرنا مجتمعاً فرقته العصبيات القبلية واستفحلت فيه العداءات النسبية والعرقية من هنا كانت عملية القضاء على هذه النعرات والعصبيات من اصعب مهام القائد (الرسول الأكرم(ص) ) على طريق إنشاء المجتمع الموحد وعانى القائد ما عانى لاستتباب معيار التقوى في المجتمع الإسلامي بدل المعايير الجاهلية لكن الجاهلية الحديثة أعادت لنا تلك القبائل والعصابات بأسلوب جديد ومسميات جديدة معقدة محاطة بأطر ونظريات علماء الاجتماع الأوربيين واليهود والأمريكان ومحملة بكل الوسائل الرخيصة للقضاء على الإسلام فخلقت الفرقة وروح العداء بين أبناء الأمة الإسلامية . ثانياـ النعرات الطائفية. الاتجاهات الفكرية والاجتهادية المختلفة ظاهرة شهدها العالم الإسلامي منذ فجر الإسلام بعضها طبيعي يعود إلى طبيعة المجتمع البشري وبعضها الآخر مفتعل استحدثه المغرضون لأهدافهم الخاصة وخلال عصور تاريخية مختلفة استغلت هذه الاختلافات لأغراض شخصية مِن قبل أفراد لا يؤمنون بالإسلام أصلا ولعبت السياسة على مرّ التاريخ الإسلامي دوراً كبيراً في بروز الاتجاهات الفكرية والفقهية أو ضمورها وهذه المسألة واضحة لكل باحث في التاريخ الإسلامي، والجانب الكبير من تفشي هذه النعرات يعود إلى جهل المسلمين فرعاع الناس كانوا دوماً وقود النزاعات الطائفية واداة بيد المغرضين يستغلون تعصبهم الأعمى إلى هذه الجهة أو تلك، فيثيرون المعارك والاشتباكات 0فلكي نخطو للأمام لابد أن تزول هذه النعرات الطائفية بين المسلمين وأن يحس المسلمون اجمع أن مشكلتهم واحدة هي طواغيت الأرض الذين انقضوا على امتنا الإسلامية وسلبوا ثرواتها. ثالثاـ الحكومات المهزومة. بعد أن فشل الغزاة في فرض سيطرتهم المباشرة على العالم الإسلامي وضعوا خطة شاملة للسيطرة غير المباشرة على هذه الأمة شملت الجوانب السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية للمسلمين والذي ينهض بهذا الدور هو الحكّام الضعفاء في عالمنا الإسلامي فبعد أن تمزق العالم الإسلامي إلى دويلات متفرقة هنا وهناك اهتم الغزاة بتربية أفراد من هذه الأمة ليخلفوهم في تنفيذ مخطط التبعية ومارس هؤلاء دورهم بكل إخلاص فقمعوا كل حركة تحررية وقدموا ثروات الأمة المادية والمعنوية قرباناً بين يدي أسيادهم، إن هذه الحكومات رغم تصاغرها أمام الأسياد وخضوعها وتخاذلها أمام المستعمرين لكنها تقف من شعوبها موقف الطاغية الجبار المتفرعن وبذلك ينفصل الجهاز الحاكم عن شعبه ويحرم المجتمع من أحد أهم دعائم الوحدة وهي وحدة الحكّام والمحكومين(2). المبحث الثاني طرق وأساليب مواجهة التمزق إن قضية الوحدة هي من القضايا المصيرية المرتبطة بالتحديات السياسية والعسكرية والاقتصادية ولكي نعيش مرحلة التحدي لابد من اتخاذ طرق وأساليب للمواجهة منها. 1) الطريقة المثالية،2) التي تتمثل بمواجهة الهدف بالتبسيط وذلك باعتبارها مشكلة بسيطة يمكن للزمن أن يحلها وللأجواء الشعبية الحماسية الدور الرئيسي في الضغط على الأعداء وحلها ومن ثم يكون مدلولها سلبي بحيث يشعرك السائرون بهذا الاتجاه بأن المشروع الوحدوي لا يواجه أي مشكلة بل ويسير وفق النظام ويرون دعوات الحماس والجدية من الآخرين نوعاً من العدوانية وربما يتخذ أصحاب هذا الخط نوعاً من المواجهة في حالة الاضطرابات والقلق الذي يحدث في البلاد لأسباب أخرى وقد يحصل أصحاب هذا الخط على نوع من الانتصار وذلك بالسيطرة على مساحات واسعة من الأراضي والأهداف الإيجابية وهذا دليلهم على صحة نظرياتهم أو طريقتهم في الوحدة وفي حال الفشل يكون المبرر هو الظروف الطارئة أو القوى الغاشمة التي لا يستطيعون مواجهتها الآن لكنهم سيواجهونها في الغد أو بعد غد والمستقبل هو الذي يكشف ذلك. المهم أن القافلة تسير نحو تحقيق الهدف أما كيف ليس من المهم أن نفكر في ذلك ومن خصائص هذه الطريقة هي العمل على إثارة الجماهير بالخطب السياسية الحماسية والشعارات المثيرة والمهرجانات الصاخبة وهكذا تبقى القضية هدفاً يبحث عن طريق ودوراً يبحث عن ساحة(7). 3) الطريقة الواقعية. وهي التي تواجه الهدف بمنطق الواقع حيث أن لكل ظاهرة أسبابها ولكل واقع ظروفه المحددة في الزمان والمكان والأشخاص ولكل هدف وسائله ومراحله وآفاقه لذلك فإن الذين يفكرون بهذه الطريقة يعملون على دراسة المشروع من خلال ظروفه الجغرافية أولا والشروط التي يجب أن تتوفر في المتصدين له ومن معهم والمشاكل التي يواجهها المشروع على جميع المستويات ثم يضعون الخطة والسير وفقها والتقدم على حساب النتائج الإيجابية والتوقف ودراسة الأخطاء ومعالجتها في النتائج السلبية ثم المواصلة حتى الوصول إلى نهاية المطاف لذلك تتميز هذه الطريقة بالاعتماد على التحليل الدقيق للأشياء والأشخاص والواقع أي إعمال العقل في كل صغيرة أو كبيرة لأنها أساسا قائمة على التفكير العميق للأحداث وبذلك يكون الحماس والجدية جزءاً من الخطة أو الطريقة لا حالة مزاجية أو عدوانية هاتان الخطتان أو الطريقتان هما اللتان تحكمان الواقع العملي للإنسان الهادف ونحن نرجح الطريقة الثانية أي الواقعية القائمة على أساس إعمال العقل والفكر في كل حدث(4). العودة إلى الإسلام هي العودة إلى الوحدة لاحظنا مما تقدم أن الوحدة الإنسانية لا تتحقق في الواقع إلا في إطار الرسالة الإلهية لان هذه الرسالة هي القادرة على تربية الفرد والمجتمع الإنساني وفق قيم ومعايير تزول معها كل ألوان الصراع المصلحي المادي بين أبناء البشر وليس معنى هذا أن الدين الإلهي يستهدف خلق نوع من المصالحة بين الظالم والمظلوم في المجتمع الإنساني بل انه يتأمل الظلم والظالمين من المجتمع ويخلق بين الأفراد وحدة في القلوب والأفكار ووحدة في الهدف والمسير ووحدة في المصالح والطموحات وهذه المسألة لا تخفى على كل متتبع لأهداف الرسالات الإلهية التي جاء بها الأنبياء لا التي اختلقتها الكنائس والأديرة والبلاطات . والفترة القصيرة التي مرت بها التجربة الإسلامية - بداية البعثة النبوية- قبل انحراف المجتمع الإسلامي سجّلت في تاريخ البشرية أروع انتصار في خلق المجتمع الموحد في الأفكار والعواطف والأهداف. فالإسلام انطلق من أرض تسودها ألوان الصراع القبلي والعنصري والطبقي وما أن انتصرت كلمة الإسلام حتى خلق مجتمعاً رافضاً لكل تمييز عنصري (الأسود والأبيض) أو طبقي (السيد والعبد) أو قبلي (قريش وغيرها) وساد الإخاء بين أفراده ومن أول مصاديقه المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار وزال الصراع الدامي بين القبائل العربية وانتهى عهد الرق والاستغلال الجاهلي وقطعت أيادي المتسلطين في ذلك المجتمع وبقيت التجربة الإسلامية ومع كل ما عصف بها من انحراف تمارس دورها خلال العصور التالية للبعثة في صهر القوميات المختلفة في بوتقة الإسلام وتربية العواطف الإنسانية والسمو بها عن الهبوط إلى مستوى الصراع المصلحي البهيمي إلا إننا نلاحظ من خلال دراستنا للتأريخ والأحداث انه خلال القرون الأخيرة انحسر الإسلام وتراجع للأسباب المتقدمة ومعه انحسرت الوحدة الإسلامية (الإنسانية)(6) حيث أصبحت البلدان مستعمرات والشعوب أناساً مستعبدين واصبحت الساحة مسرحاً تصول به ذئاب كاسرة انطلقت من الغرب وهي مجهزة بأسلحة جديدة وتكنولوجيا عالية لاستنزاف خيرات الأمة المادية والمعنوية ونتيجة هذا الإختلال في التوازن نشأة الصراعات الدموية التي مزقت الأمة شر ممزق بحيث اصبح توازن القوى هو الحائل الوحيد دون نشوب الحروب العالمية الطاحنة. إذن لابد من الرجوع إلى القاعدة الأساسية التي وضعها الإسلام وطبقها الرسول(ص) ولا تتحقق هذه إلا بزوال ما أمامها من مشاكل وعقبات لذا نرى أن الطريق الأمثل للوصول إلى الوحدة الإسلامية وإعادة العزة للمسلمين جميعاً هو رفع مستوى المسلمين الفكري واطلاعهم على آراء الإسلام ومعارفه التي يحتويها القرآن والسنة النبوية والروايات وسيرة الأئمة(ع) فذلك كفيل بمعالجة المشكلة وسلب الأعداء إمكانية الاستفادة من عوامل الخلاف السالفة الذكر .إن زيادة الوعي الديني والثقافي والعلمي لدى المسلمين هو خير وسيلة لتجنب بروز الخلافات التي تثيرها العوامل المذكورة ولشدة تأثير ذلك كان الإسلام يحث اتباعه دائماً وفي كثير من الآيات على التفكر والتدبر بدقة والتعرف على النفوس وما يحيط بها .إذن لابد أن نضع أيدينا بأيدي بعض من اجل إزالة الغبار عن وجه الإسلام الحقيقي الناصع ليطلع عليه المسلمون .فلو أدرك المسلمون حقيقة الإسلام وما يدعو إليه لما تفرقوا ولأصبحوا اعظم قوة في العالم وارقى الشعوب وانجحها في جميع الميادين(3). المبحث الثالث الوحـدة الإسلاميـة من وجهـة نظـر أهل البيت عليهم السلام ثلاثة مشاريع للوحدة الإسلامية وحدة الأمة الإسلامية ، فريضة شرعية على جميع الأمة ، وفي نفس الوقت هي مطلب منطقي لجميع المسلمين . لكنها من الناحية العملية حلمٌ بعيد المنال ! والسبب باتفاق الجميع السياسة التي فرقت وما زالت تفرق أمة رسول الله صلى الله عليه وآله . في هذا الموضوع نعرض مشاريع الوحدة المطروحة ، ثم نستكشف من مصادر الإسلام بعيداً عن السياسة ، المشروع العملي للوحدة الإسلامية ، لنرى أنه مشروع أهل بيت النبوة عليهم السلام الذي يصلح أن يلتقي عليه المفكرون ، ويعمل له الداعون الى وحدة الأمة . وأمامنا ثلاثة مشاريع لتحقيق الوحدة الإسلامية ، نعرضها باختصار: المشروع الأول الوحدة بالإجبار على مذهب الخليفة وطاعته ! وهي تعني سيطرة خليفة معين بمذهبه وأفكاره على قيادة الأمة ، وفرض الوحدة على كب فئاتها بالقوة تحت زعامته ، ومصادرة حريات المعارضين سواء في التعبير عن الرأي ، أوحرية عملهم الثقافي والمذهبي ، والسياسي. وهذه الوحدة هي التي طبقها الخلفاء بعد النبي صلى الله عليه وآله أبو بكر وعمر وعثمان وبنو أمية وبنو العباس . ثم طبقتها الدول المنشقة عنهم كدولة الأدارسة في المغرب ، ودولة الأمويين في الأندلس . ثم طبقتها الدول الوارثة للدولة العباسية ، مثل دولة المماليك ، وأخيراً دولة الخلافة العثمانية . وهي نفسها الوحدة التي يتبناها الوهابيون ، وأصحاب مشروع الخلافة الإسلامية في عصرنا ، كحزب التحرير الإسلامي ، وكل الحركات التي تدعو الى إقامة دولة إسلامية ، حيث نراها كلها تدعو الى إعادة أمجاد الإسلام والخلافة التي قامت على تلك الأسس ، ولا نراها قدمت نظام حكم جديداً يعطي الأمة حريتها ودورها الشرعي ، ولا قدمت مشروعاً وحدوياً مختلفاً عن تلك الوحدة التي طبقها الخلفاء بالسيف والقتل والإضطهاد ! وبنظرة فاحصة لهذه الدول ، نجد أننا لانستطيع تسميتها دولأً إسلامية بالمعنى الحقوقي ، ولا دول وحدة شرعية كذلك ، وذلك لسببين جوهريين: الأول: أن الحكم فيها قام على الغلبة والقهر ، وليس على دستور ونظام حكم محدد الأجهزة والآليات ! وهو أمر يحتاج الى بحث مستقل لإثبات أن نظام الخلافة باستثناء خلافة علي عليه السلام قام على أساس الغلبة القبلية والقهر وفرض البيعة بالتهديد ، وليس على أساس الشورى ، والبيعة بالإختيار ! والثاني: أنها تتبنى مصادرة الحريات الشرعية والقانونية لفئات واسعة من الأمة ، إن لم يكن لجميعها ! وهذا أيضاً يحتاج الى بحث مستقل لإثبات أن أنظمة الخلافة ماعدا خلافة علي عليه السلام قد أجبرت الناس على البيعة ، وعاملتهم على التهمة والظنة ، ولم تعطهم حرية التعبير عن الرأي ، فضلاً عن حرية المعارضة الفكرية والسياسية . وفي اعتقادنا أن نقطتي الضعف هاتين هما السبب في انهيار تلك الدول التي قامت في تاريخنا الإسلامي ، رغم أنها كانت تملك أفضل الظروف ، وأقوى عوامل الثبات والإستمرار ! فقد كان التداعي الطبيعي لهذا النوع من النظام القرشي الذي ولدته السقيفة وقمعت فيه الأنصار وأهل البيت عليهم السلام ، أن يتسلط بنو أمية ، ثم تكون ردة فعلهم تسلط بني العباس ، ثم تسلط عناصر العسكر من المماليك والأتراك ، ثم تكون نهاية الخلافة العثمانية أن تدفن بصمت بيد الغربيين في استانبول ، بل تساعد على دفنها حركات (التحرر) العربية والحركة السلفية ! المشروع الثاني الوحدة السياسية التلفيقية بين المذاهب ويتجه بعض المسلمين الى هذا النوع من الوحدة ، فيتصورون مثلاً أن بالإمكان أن يتوحد المسلمون على المشتركات في أصول العقائد والفقه ، وأن يتوصلوا الى حلول وسط في المسائل الخلافية العقيدية أو الفقهية . ويكثر هذا الإتجاه في المثقفين على الطريقة الغربية ، الذين لا تعني لهم الفروقات العقيدية والفقهية شيئاً كثيراً ! ويكثر أيضاً في الأوساط التي يختلط فيها السنة والشيعة ويحبون التعايش والوحدة مع بعضهم ، فترى بعضهم يقول: أنا مسلم لا شيعي ولا سني ، أو يقولون: نريد إسلاماً بلا مذاهب ! ويعارض هذا الإتجاه عادة المتمسكون بالمذهب ، لأن الإشكالات على هذا المشروع كثيرة : منها: أنه مشروع نظري صعب التطبيق ، فليس له ضابطة عملية تعين المشتركات والمفترقات . وعلى فرض الإتفاق على تعيينها ، فلا ضابطة فيه لتعيين الوسط الذي يتفق عليه من بيينها ، فما هو المقياس في ذلك ، ومَن هم الذين سيطبقونه لاختيار المذهب الملفق من مجموع العقائد والأحكام في مجموع المذاهب ؟! ومنها: أنه مشروع غير قابل للحياة ، فلنفرض أن حكماً قام بلد مختلط المذاهب كالعراق مثلاً ، على أساس التلفيق بين المذهبين الشيعي والسني ، وتم الإتفاق فيه على مذهب مختار من المجموع ، فمن المؤكد أن هذا المذهب (المنتخب) سوف لايكون أكثر من قوانين حكومية ، ولا ضمان لأن يلتزم به الناس من السنة أو الشيعة ! بل سيكون مثاراً لاختلافات جديدة بينهم ، بل بين جهاز الدولة نفسه ، وسيمتد الخلاف الى أصل النظام ! قد يقال: نعم هذا صحيح ، وهو الحجة التي يتخذها العلمانيون لضرورة إقامة نظام علماني ، لأن أول سؤال يواجهنا أمام تطبيق النظام الإسلامي: على أي مذهب ستطبقونه؟ فالأفضل أن يكون النظام علمانياً ، والقوانين مدنية وحتى غربية غير إسلامية ، حتى لانقع في مشكلة الخلاف والصراع المذهبي . والجواب: أولاً ، أن النظام العلماني لا يحل المشكلة أيضاً ، لا في الدستور ولا في القوانين ، لأن أكثرية المسلمين تعارضه ، ولذا لا يسمح العلمانيون في بلادنا بإجراء انتخابات حرة! وتراهم يلجؤون الى الحكم العسكري وشبه العسكري ، وهو صورة أخرى من نظام القهر والغلبة ! أما قوانينهم التي يقرها النظام العلماني نظرياً ، فهي في الأعم الأغلب غائبة في إجازة ، ولا يعود القانون من إجازته إلا أحياناً نادرة ! وهذا أمر يحتاج الى بحث مستقل لا مجال له هنا . وثانياً ، أن الحلول الإسلامية لمشكلة النظام والقوانين لا تنحصر بالمذهب التلفيقي ، أو بأن يحكم أهل مذهب معين غيرهم بالغلبة والقهر ! فمن الممكن أن يكون النظام إسلامياً مع إعطاء الحرية للمسلمين كل حسب مذهبه ! بدون تلفيق غير موفق بينها . وعندما نملك حلاً لمشكلة النظام والقوانين من داخل الإسلام والبلد ، فلا نحتاج الى استيراد حل من خارجه ! المشروع الثالث الوحدة السياسية مع حفظ الحريات الإقليمية والمذهبية وهو مشروع أكثر ملاءمة لروح الإسلام وروح العصر أيضاً . لأنه لا يقوم على القهر والغلبة ، ويتجه لتحقيق الحد الأدنى من العمل لمصالح المسلمين في العالم . ويمكن أن تكون منظمة الدول الإسلامية والمؤسسات الإسلامية العالمية الأخرى نواة لهذا المشروع ، بشرط أن تبعث فيها الحياة ، ويتم تفعيلها . قد يقال: إن هذا النوع من الوحدة شبيه الى حد كبير بالإتحاد الأوروبي ؟ والجواب: ما المانع أن يشبه مشروع الوحدة الإسلامية مشاريع الوحدة الأخرى ، مادام محافظاً على خصوصيته ، التي هي العمل لمصالح المسلمين العليا الثلاثة: الدفاع ، والتنمية ، والمحافظة على الثقافة الإسلامية . وقد يقال: كيف نفضل مشروعاً في الوحدة السياسية ونسميه وحدة إسلامية ، على مشروع الوحدة الحقيقية والإندماج الكامل للبلاد الإسلامية تحت قيادة واحدة ؟ والجواب: أن أي وحدة في الأمة لكي يصح وصفها بأنها وحدة إسلامية ، لابد أن يكون فيها الحد الأدنى من مقومات الوحدة في شريعة الإسلام ، ومن أصول هذا الحد الأدنى احترام حرية المسلمين التي قررها لهم الإسلام والعمل لتحقيق الحد الأدنى من مصالحهم المشروعة . ومشاريع الوحدة التي تتبناها الحركات الإسلامية إنما هي مشاريع تقوم على أصل القهر والغلبة ، أي على دكتاتورية الخليفة المفترض أو الحاكم ، فلا يمكن أن تضمن حرية المسلمين المشروعة ، ولا مصالحهم العليا(5) ! نخلص من هذه المقدمات الى نتيجة ، هي أن الوحدة الإسلامية لا بد أن تتوفر فيها أربعة عناصر أساسية ، لتكون وحدةً لمصلحة الإسلام كدين ، والمسلمين كأمة ، وهي: 1 - ضمان حرية المسلمين التي شرعها لهم الإسلام في التعبير والعمل والمعارضة ، في الشؤون الشخصية والمذهبية والعامة . 2- أن تكون وحدةً تخدم مصلحتهم العليا في الدفاع ، عن أرضهم ومقدراتهم . -3 أن تكون وحدةً تخدم مصلحتهم العليا في التنمية ، أي في أمور معاشهم وتطوير ثرواتهم ومجتمعاتهم . 4 - أن تكون وحدةً تخدم مصلحتهم العليا في الدفاع عن دينهم وثقافتهم وعزتهم كأمة ختم الله بها الأمم . وفي اعتقادي أن هذه هي الوحدة التي دعا اليها وعمل لها أهل البيت النبوي الأطهار عليهم السلام بعد أن فقدت الأمة وحدتها الطبيعية بوفاة النبي صلى الله عليه وآله وانتقلت الى الوحدة بالغلبة والقهر على مذهب الخليفة الحاكم . الـــــــــمــــــــــــــــــــــــصــــــــــــــــــــادر 1- الوحدة الاسلامية ،ابراهيم بيضون ،وصفة فريدة للعزة والكرامة، 2012. 2- الوحدة الاسلامية من منظور الثقلين ، ص28-37 (بتصرف) . 3- الوحدة الإسلامية، لمحمد أبو زهرة، الناشر: دار الرائد العربي – بيروت، ص 11. 4- الوحدة الإسلامية أسسها ووسائل تحقيقها" مجلة البحوث الإسلامية الصادرة عن الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء، العدد: 21، الصفحة رقم: 257. 5- الشيخ علي الكوراني ، الوحدة الاسلامية من وجهة نظر اهل الشيعة،2012. 6- المجلسي: بحار الانوار 27 / .67 7- المتقي الهندي: كنز العمال 2 / 5487، و المجلسى: بحار الأنوار 76 / 43 عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم. - موقع

وصف الــ Tags لهذا الموضوع   الصراعات والنزاعات التي يعيشها البلد تستدعي التغيير حتميا