الامبراطور الفيلسوف ماركوس اوريليوس

عاش الامبراطور ماركوس اوريليوس وحكم الدولة الرومانية في فترة عصيبة مضطربة ، وصفها المؤرخ الفرنسي " تين " بقوله : ( كان يصعب على المرء آنذاك ان يعيش انسانا ، فكم بالحرى ان يكون امبراطورا ؟ ) ولكن ذلك الامبراطور بقي محتفظا باتزانه وهدوئه واطمئنانه بين انواء السياسة وعواصفها العاتية .

ولد ماركوس اوريليوس في 26 /نيسان / 121 م ، من اسرة نبيلة اسبانية الاصل ، حصل افرادها على الجنسية الرومانية من زمن بعيد ، وما لبث ابوه ان مات فنشأ في كفالة جده الى ان تبناه الامبراطور" انطونينوس " عام 138 م ، ثم زوجه ابنته " فوستينا " عام 145 م ، وما زال يقربه اليه حتى عينه وليا للعهد ، على ان يحكم شراكة مع اخيه بالتبني " لوسيوس فيروس " ، وهذا ما حصل منذ ان بدأ اوريليوس حكمه عام 161 م ، الى ان توفي لوسيوس عام 169 م ، وهكذا انتهى الطور الاول من حكمه ، ليبدا الطور الثاني الذي حكم فيه بمفرده من عام 169 م الى عام 177 م ، ليبدا الطور الثالث والاخير من حكمه الذي اشرك فيه معه ابنه الشرعي " كومودوس " ، الى ان توفي بالطاعون في بوهيميا في 17 / آذار / 180 م ، اثناء حربه مع الجرمان الذين هاجموا ولايات الدانوب .

لم تكن حياة الامبراطور ماركوس اوريليوس سهلة رخية ، بل كانت حافلة بالمتاعب والاعباء ، متاعبه مع شريكه في الحكم " لوسيوس فيروس " المتردد المرتبك ، ومع الفرس الذين هاجموا اطراف الدولة الشرقية في ارمينيا غداة اعتلائه للعرش الروماني ، وحروبه المتصلة مع الجرمان الذين نهض لحربهم بنفسه ، بحيث انه قضى معظم سني حكمه بعيدا عن روما لا يقيم فيها الا ما ندر ، ثم خيبة امله بابنه كومودوس النهم الشره المستسلم لاهوائه ونزواته ، وحتى في حياته العائلية لم يكن موفقا مع زوجته فوستينا التي كانت تصرفاتها لا تليق ابدا بزوجة امبراطور .

ولكن تلك المحن التي عاشها هذا الامبراطور الفيلسوف لم تزعزع ابدا ايمانه بقيم الخير والحق في هذا العالم الفاني ، وقد ترك افكاره وتصوراته عن هذه القيم في مذكراته النفيسة التي حملت عنوان " خواطر " ، والمدونة في اثني عشر فصلا ، دونها الامبراطور في سنواته الاخيرة اثناء حروبه المتصلة مع الجرمان .

وفي هذه المذكرات ، يبدو لنا هذا الرجل انسانا مؤمنا بالقيم النبيلة ، وروحا شريفة نبيلة ، طابعها الاول ، الصدق والاخلاص للحق ، وقد كان في حياته العامة وتصرفاته مخلصا لهذه المبادئ ، بحيث انه يعرف في التاريخ الروماني بلقب " الصادق " او" الصدوق " الذي اشتهر به في حياته وبعد مماته .

فهو يقول لمن حوله : (( احتفظ بطابعك الاصيل كما هو ، قل الحق مهما كلفك الامر ، ولا تحد عنه قيد لفظة )) ، وهذا لا يتحقق الا اذا كان الانسان مصغيا دائما الى (( الاله المقيم في قلبه )) ، وهو يؤمن " بالعقل الكلي " او
" العقل الكوني " الذي (( هو مصدر كل قوة وحياة وعقل وعلة ، وهو بحد ذاته قوة الهية تسري في العالم " كما يسري العسل في اقراصه " فتنعشه وتحييه وتسيره بعدل وحكمة)) .

وامام مظاهر الشر التي يلاحظها الانسان في هذا العالم ، فان عليه ان يدرك الحكمة الخافية وراء ذلك ، وعليه ان يدرك الخير الكامن خلف ذلك الشر فيقول : (( ان كل ما يتم ويقع انما هو نتيجة ضرورية لتصرف ذلك العقل الكوني ، فلا بد من ان يكون حسنا وعادلا ، ولابد من ان نتقبله بالصبر ، لا بل بالرضى والحب )) .

ان هذه النظرة الى النظام الكوني الكلي هي التي تمنحه السكينة والطمانينة ، ليستطيع تحرير نفسه من الخوف الذي يعتريه امام تقلبات الدنيا وتصاريف القدر ، وهو يقر بضعفه عن ادراك كل هذا في بعض المرات ، فيناجي نفسه قائلا : (( يا نفس ، هلاّ تبقين دائما طيبة صالحة مستقيمة ، ملتمة بعضك على بعض ، مجردة ، تظهرين بجلاء من وراء الجسد غلافك ؟ اتكونين حقا مغتبطة دائما ، لا تتحسرين على شئ ولا ترغبين بشئ ، مطمئنة الى ما انت عليه الان ، متيقنة من ان كل ما يحدث لك هو الخير ، وهو البلاغ المبين الذي يصلك من الله ؟ )) .

وهكذا يريد اوريليوس ان يصل بنفسه الى اعلى درجات الرضا والتسليم للقدر ، مع ايمانه بان كل ما قدر عليه هو خير له ، حتى الموت الذي يراه " اشد اسرار الطبيعة وقعا وهولا على الانسان " ، يجب ان يستقبله الانسان بالرضا حتى يفارق الحياة راضيا مطمئنا " مثلما تفارق حبة الزيتون اليانعة شجرتها ، وهي تشكر الارض التي غذتها والشجرة التي حملتها " ، لان الموت في نظره ليس نهاية الانسان ، بل هو متمم لحياة الحكيم صاحب الروح المطمئنة الى ما اعد الله لها من مصير بحكمته ورحمته عزوجل .


وصف الــ Tags لهذا الموضوع   لامبراطور بقي محتفظا باتزانه وهدوئه واطمئنانه بين انواء السياسة وعواصفها العاتية .