جميل بثينة / التحليل :
1. يبدأ الشاعر قصيدته بالحديث عن أمنية يعود فيها شبابه او أيام صفائه ، لأنه في تلك العودة تجددا لحبه وغرامه فيتذكر من تجربته القديمة مع بثينة الأشياء الكثيرة فمرة يتذكر قولها وقد اقتربت منه تسأله عن وجهة سفره (أمصر تريد؟) ومرة يتذكر منها امتناعها عن وداعه لأنها تخشى عيون الرقباء ، فيكتم وجده وآلامه ويحزن كل الحزن فتنطلق دموعه وعبراته شاهدا على حزنه وألمه العميقين ، وبعد ان يصور هذا الألم يحاول ان يرسم لنا صورة عن بثينة اذ يبدو أنها كانت ترتاح لألمه وإنها كانت تجد في جنونه شيئا يسعدها عندما يقول:
2. ان قلت : ردي بعض عقلي اعش به مع الناس قالت ذلك منك بعيد فيبقى ينتظر وعها منتظرا بثينة وبان بينه وبينها أكثر من عهد وميثاق فيتوهج انفعاله وثير نفسه ويتوهم في بيت رائع يكشف لنا ان الحب لم يكن متبادلا بين الاثنين كما نتصور وهو قوله :
|
فأفنيت عمري بانتظار وعيدها
|
|
وأبليت فيها الدهر وهو جديد
|
فقد كانت تنمي في نفسه الأمل وتخلق في روحه الأمنية وعندما كبر حبه وجاء كي يقطف ثمار أمله وأمانيه ابتعدت عنه ، الأمر الذي يجعلنا نؤمن بان بثينة كانت تميل مع الهوى أو بعبارة أخرى كانت تتلاعب بعواطف جميل عندما يقول :
|
ستبني بعيني جؤذر وسط ربرب
|
|
وصدر كفاثور اللجين وحيد
|
|
تزيف كما زافت سلفاتها
|
|
مباهية طي الوشاح ميود
|
ان لغة القصيدة لا تختلف من حيث النقاء والقوة في التعبير عن لغة الشعر التي تعاصرت معه هذه القصيدة اذ ان اللغة العربية بدأت تطل في هذه العصر على لغات أخرى في بيئات لا عهد للغة العربية بها فنشأ نتيجة لاتساع الإمبراطورية الإسلامية المتمثلة في لغتها ان بدا الخطأ واللحن يتسربان إلى جسد هذه اللغة الشابة الفتية وكانت الحاجة ملحة وضرورية لوضع مقياس عقلي مقبول يحفظ للغة القران ولغة الحديث سلامتها وابتعادها عن أي خطأ فكانت النواة الأولى لنشأة علوم اللغة العربية فديوان العذريين يمثل مرحلة مهمة من مراحل تطور اللغة العربية ويعد متمما للفصاحة وسلامة التعبير التي امتازت بها عربية لغة الشعر الجاهلي وشعر صدر الإسلام لذلك استشهد بأبيات كثيرة بلغة العذريين في مناقشات لغوية ونحوية ومعجميه وأدبية.
3.ان القصيدة تبدو مضطربة من حيث الوحدة الموضوعية فالشاعر ينقل من معنى إلى معنى رغم ان معانيه معروفة ومكررة لا تخرج من انه متألم بثينة لأنها لم تلتزم بالعهد والميثاق ويثور على الوشاة الذين افسدوا عليه علاقته مع بثينة ثم يعود إلى تكرار الرغبة والأمنية للحصول على بثينة لذلك نستطيع ان نقدم ونؤخر في تسلسل أبيات هذه الدالية دون ان يختل المعنى العام ومعنى ذلك صياغة هذه القصيدة قد اعتمدت على وحدة البيت قبل وحدة القصيدة وسبب ذلك يعود إلى ان هذه الدالية كانت قد تبنت الأسلوب الوصفي في تجسيد معانيها لذلك فالبيت الواحد فيها يبدو أكثر حرية من البيت الذي ينظم في قصيدة ذات أسلوب قصصي فالبيت القصصي مفيد بحدث من الإحداث له وحدة زمنية ومكانية لذلك جاءت الوحدة الموضوعية منسجمة كل الانسجام في قصيدة عمر بن أبي ربيعة بينما اضطرابات هذا الوحدة على حساب روعة وحدة البيت في قصيدة جميل .
4.في القصيدة بعض الإشارات إلى ما يسمى بالمعاني البلاغية من طباق وتورية ومجاز ، ففي بيته ، بيته (يموت الهوى...) نجد طباقا عفويا طبيعيا بين (يموت ويحيا ) ، وبين (فارقتها ولقيتها) بالإضافة إلى استعمال كلمتي (يموت ويحيا) في معنى مجازي رائع.